محمد حسين الذهبي
379
التفسير والمفسرون
آيات القرآن الكريم ، حتى يتمشى النص القرآني مع قواعد مذهبهم أو يتخلصوا من معارضته ومصادمته لهم على الأقل ، وتارة بتحويل النص القرآني والتصرف فيه ، بما يجعله في جانبهم لا في جانب خصومهم . نقد ابن قتيبة لهذا المسلك الاعتزالى في التفسير : غير أن هذا المسلك قد أغضب العلامة ابن قتيبة وأهاجه عليهم ، فانتقدهم انتقادا مرا لاذعا في كتابه : « تأويل مختلف الحديث » وإليك ما قاله بنصه لتقف على ما كان بين الفريقين - فريق أهل السنة وفريق المعتزلة - من جدال ومحاورة ، وليتبين لك مقدار الميل بالعبارات القرآنية إلى ناحية المذهب والعقيدة من كبار شيوخ المذهب الاعتزالى . . . قال أبو محمد « وفسروا - أي المعتزلة - القرآن بأعجب تفسير ؛ يريدون أن يردوه إلى مذهبهم ، ويحملوا التأويل على نحلهم ، فقال فريق منهم في قوله تعالى « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » « 1 » أي علمه ، وجاءوا على ذلك بشاهد لا يعرف ، وهذا قول الشاعر : « ولا بكرسىء علم اللّه مخلوق » كأنه عندهم ، ولا يعلم علم اللّه مخلوق . والكرسي غير مهموز وبكرسىء مهموز ، يستوحشون أن يجعلوا للّه تعالى كرسيا أو سريرا ، ويجعلون العرش شيئا آخر ، والعرب لا تعرف من العرش إلا السرير وما عرش من السقف والآبار ، يقول اللّه تعالى « وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ » « 2 » أي السرير ، وأمية ابن أبي الصلت يقول : مجدوا اللّه ، وهو للمجد أهل * ربنا في السماء أمسى كبيرا
--> ( 1 ) في الآية ( 255 ) من سورة البقرة . ( 2 ) في الآية ( 100 ) من سورة يوسف .